JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

الصفحة الرئيسية

عندما تتحول المدارس إلى وكر للوحوش.. صرخة طفل تفضح المستور

بقلم: أحمد محمد منصور هيبة

 

لا أدري من أين أبدأ كلماتي، فهذه جريمة تستعصي على الوصف، وتستنفر كل خلية غضب في وجدان كل أب وكل أم، جريمة لا يمكن استيعاب بشاعتها إلا حين تضع نفسك مكان أسرة هذا الطفل البريء، فتتخيل ولدك يودع ابتسامته عند باب المدرسة، ليتلقفه وحش بهيئة إنسان.

الجريمة التي هزت الوجدان

ففي واقعة فاضحة تكشف مدى انحدار منظومة القيم في مؤسساتنا التعليمية، وقع الطفل ياسين ضحية لانتهاك صارخ على يد من كان يفترض أنهم أمناء على سلامته، طفل في عمر الزهور، لم يكتمل نموه بعد، تعرض لجريمة بشعة ستظل وصمة عار في جبين وزارة التربية والتعليم لسنوات قادمة.

ولو كانت الكارثة تقف عند حدود هذه الجريمة لكان الأمر فادحاً، لكن ما يضاعف من هول الواقعة أن منظومة كاملة من التستر والتواطؤ كانت تعمل بكفاءة على حماية الجاني وإسكات الضحية.. مديرة المدرسة، المسؤولة الأولى عن سلامة التلاميذ، كانت شريكة في الصمت، والناني، التي استأمنتها الأسر على أطفالها، كانت حلقة في سلسلة التواطؤ المخزي.

أسئلة تبحث عن إجابات

وكيف وصلنا إلى هذه الدرجة من الانحطاط الأخلاقي في مؤسساتنا التعليمية؟ وكيف يمكن لموظف أن يجرؤ على ارتكاب فعلته النكراء داخل أسوار مدرسة؟ وكيف تتجرأ إدارة مدرسة على التستر على جريمة تستوجب أقصى العقوبات؟.

وهذه ليست واقعة معزولة، بل هي نتاج طبيعي لمنظومة فاشلة نخرها الفساد حتى العظم، منظومة تعليمية باتت تفتقر لأدنى معايير الرقابة والمتابعة، ومؤسسات تربوية تحولت إلى مجرد هياكل إدارية خاوية من أي محتوى قيمي أو أخلاقي.

فلنسمي الأشياء بمسمياتها

فما تعرض له الطفل ياسين ليس مجرد "تحرش" أو "اعتداء" كما تحاول بعض الجهات التخفيف من وقع الجريمة، ما حدث هو جريمة هتك عرض كاملة الأركان، يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات، والمادة 167 من قانون العقوبات واضحة وصريحة في تشديد العقوبة عندما يكون المجني عليه طفلاً والجاني من المؤتمنين على رعايته.

ولكن السؤال: هل ستأخذ العدالة مجراها فعلاً؟ أم أن هناك من سيتدخل لطمس معالم الجريمة وتخفيف العقوبة على المتهمين، كما شهدنا في قضايا مماثلة؟.

المؤامرة الكبرى

وكلما تعمقت في تفاصيل هذه القضية، كلما اتضحت أمامي ملامح مؤامرة كبرى لإسكات الضحية وعائلته، مديرة المدرسة التي كان الأولى بها أن تكون درعًا للتلاميذ، تحولت إلى ساتر للمجرم، والناني التي يفترض أنها عين الأهالي داخل المدرسة، انقلبت إلى شريك في التستر على الجريمة.

وهؤلاء ليسوا أقل إجرامًا من الفاعل الأصلي، فمن يتستر على جريمة هو شريك فيها، ومن يصمت عن حق هو شيطان أخرس، ومن يخون الأمانة التي ائتمنه الناس عليها لا يستحق سوى أقصى العقوبات.

رسالة إلى وزارة التربية والتعليم

وأوجه رسالتي إلى المسؤولين في وزارة التربية والتعليم "كفاكم تجاهلًا لما يحدث في مدارسنا! كفاكم تعاملاً بيروقراطياً مع قضايا تمس شرف وكرامة أبنائنا!.

وأين آليات اختيار العاملين في المدارس؟ أين الفحص النفسي والأخلاقي للمتقدمين للعمل في الوظائف التعليمية؟ أين الرقابة الدورية على سلوك العاملين؟ أين كاميرات المراقبة التي تغطي كل شبر في المدرسة؟.

ولن نقبل بعد اليوم بأنصاف الحلول، لن نقبل بلجان تحقيق تنتهي توصياتها إلى أدراج النسيان، نريد إجراءات فورية وصارمة تضمن عدم تكرار هذه المأساة في أي مدرسة من مدارس مصر.

مسؤولية المجتمع

ولا تقع المسؤولية على الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية بامتياز، على الآباء والأمهات أن يكونوا أكثر انتباهاً للتغيرات السلوكية التي تطرأ على أبنائهم، وعلى المعلمين أن يكونوا حريصين على متابعة سلوك التلاميذ وملاحظة أي علامات غير طبيعية، وعلى الإعلام أن يلعب دورًا توعويًا أكبر في التحذير من هذه الجرائم وكيفية التصدي لها.

العدالة الناجزة هي الحل

فلن يستعيد الطفل ياسين براءته المسلوبة، ولن تمحى آثار الصدمة من نفسه بسهولة، لكن ما يمكننا تقديمه له ولآلاف الأطفال الذين قد يواجهون مصيراً مشابهاً، هو عدالة ناجزة لا تعرف المجاملات ولا تخضع للضغوط.

وعدالة تجعل من قضيته درسًا لكل من تسول له نفسه الاقتراب من براءة الأطفال، عدالة تردع كل من يفكر في التستر على جريمة أو حماية مجرم.

وإلى أن تتحقق هذه العدالة، سنظل نتابع ونراقب ونكشف، وسنظل صوتاً للضحايا الصامتين، ولن نتوقف عن طرق الأبواب حتى نرى المجرمين خلف القضبان يتلقون جزاءهم العادل.

أخيرًا

يا وزارة التربية والتعليم.. يا مديريات التعليم في المحافظات.. يا مسؤولي الرقابة والتفتيش.. قضية ياسين ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ما لم تتخذوا إجراءات جذرية لاقتلاع هذا الوباء من جذوره.

فالمدارس يجب أن تكون واحات أمان لأطفالنا وليست أوكاراً للذئاب البشرية، النظام التعليمي بحاجة إلى ثورة حقيقية، ثورة في القيم والأخلاق قبل المناهج والمقررات.

وأقول لأسرة ياسين "لستم وحدكم في هذه المحنة، كل الشرفاء يقفون إلى جواركم، وسنواصل معكم الطريق حتى تأخذ العدالة مجراها وينال المجرمون جزاءهم العادل".

الاسمبريد إلكترونيرسالة