بقلم: أحمد محمد منصور هيبة
في مثل هذا اليوم، السادس من يوليو من عام 969 ميلادية، وعلى الضفة الشرقية لنهر النيل، وُلدت مدينةٌ لم يكن لها مثيل بين عواصم الأرض، وُلدت "القاهرة"، عاصمة الحكم، وعنوان القوة، وواجهة الحضارة الإسلامية في أبهى تجلياتها، واليوم، في الذكرى السنوية لتأسيسها، نستحضر سيرة مدينة لم تكن يومًا مكانًا للسكن فقط، بل كانت ولا تزال مساحة للدهشة، ومرآة تعكس وجوه التاريخ والحضارة، ومسرحًا يتحرك عليه الإنسان المصري بكل مراحله من الفاطمي إلى المملوكي، ومن العثماني إلى محمد علي، وحتى الدولة الوطنية الحديثة.
الكوكب المنتصر
ويرجع تأسيس مدينة القاهرة إلى القائد الفاطمي "جوهر الصقلي"، الذي دخل مصر بأمر الخليفة المعز لدين الله الفاطمي عام 969م، في عهد الدولة الفاطمية التي امتدت سلطتها آنذاك من المغرب إلى تونس والجزائر، وبعد أن أتمّ فتح مصر، قرر أن يبني عاصمة جديدة شمال مدينة الفسطاط، لتكون مركز الحكم الفاطمي، وشرع في وضع أساساتها في السادس من يوليو، وهو اليوم الذي عرف لاحقًا بولادة "القاهرة".
واللافت أن اسم "القاهرة" لم يكن اسمًا عشوائيًا أو مجرد لقب ملوكي، بل ارتبط بحدث فلكي، فقد تزامن بناء المدينة مع ظهور كوكب المريخ في السماء، والذي كان يُعرف في كتب الفلك العربية بـ"النجم القاهر"، فتمت تسميتها "المنصورة بالقاهر" أو "القاهرة"، إشارة إلى فأل النصر والتمكين.
من الفسطاط إلى القاهرة.. العاصمة الرابعة
ولم تكن القاهرة أول عاصمة لمصر الإسلامية، سبقتها ثلاث مدن:
-
الفسطاط: التي أسسها عمرو بن العاص بعد فتح مصر عام 641م.
-
العسكر: أنشأها العباسيون بعد نقل الحكم من بني أمية، لتكون مقرًا للجند.
-
القطائع: شيدها أحمد بن طولون لتصبح عاصمة الدولة الطولونية.
ولكن القاهرة جاءت لتكون المدينة الرابعة، والأكثر ديمومة، والتي احتضنت فيما بعد كل العواصم السابقة، وابتلعتها في جسدها المعماري، لتصبح بوتقة الحضارات المتعاقبة.
جوهر الصقلي والعبقرية العمرانية
ولم يكن جوهر الصقلي مجرد قائد عسكري، بل كان رجل دولة من طراز رفيع، أدرك أهمية أن تحمل العاصمة الجديدة طابعًا سياسيًا وروحيًا في آن، فخطط القاهرة بشكل هندسي فريد، وجعل لها أربعة أبواب رئيسية أشهرها باب زويلة من الجنوب، وباب الفتوح من الشمال، كما أمر ببناء "قصر الخليفة"، الذي كان أوسع مما يُتصور لعاصمة إسلامية في ذلك الوقت.
ومن المعالم المؤسسة التي ما زالت قائمة حتى اليوم، «جامع الأزهر الشريف»، الذي وضع جوهر أساسه ليكون منارة علم ومدرسة لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي آنذاك، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى جامع وجامعة سنّية تنويرية للعالم الإسلامي كله.
القاهرة.. مرآة للحضارات المتعاقبة
وما ميّز القاهرة عبر القرون هو قابليتها الاستثنائية لاحتواء مختلف الأنظمة والفلسفات السياسية والدينية والفنية، دون أن تفقد هويتها الخاصة.
-
في العصر الأيوبي، استعادت القاهرة المذهب السنّي، وازدهرت فيها المدارس والكتاتيب.
-
في العصر المملوكي، تحوّلت إلى أكبر مركز تجاري وثقافي في الشرق الإسلامي، وبلغت ذروة مجدها في العمارة والفنون.
-
في عهد محمد علي باشا، شهدت القاهرة نهضة صناعية وتعليمية شاملة، فبُنيت المدارس والمستشفيات والمصانع.
-
أما في العصر الحديث، فقد احتفظت القاهرة بدورها المركزي سياسيًا وثقافيًا، فكانت حاضنة ثورات 1919 و1952 و2011، ومركز الإشعاع الفكري العربي من خلال جامعاتها وصحفها ودورها الثقافية.
بين العمران والانفجار السكاني
واليوم، ورغم التحديات العمرانية والازدحام والتكدس السكاني، لا تزال القاهرة مدينة تنبض بالحياة، هي واحدة من أكبر المدن في إفريقيا والعالم العربي من حيث عدد السكان، وتعتبر القلب الاقتصادي والسياسي لمصر، إذ تضم مقار الحكم، والمصارف الكبرى، والوزارات، والجامعات، ومقرات الصحف القومية والخاصة، وشبكة مترو الأنفاق التي تربط بين تاريخ المدينة وحداثتها.
ولكن هذا الزخم العمراني يحمل في طياته أيضًا مشاكل مزمنة مثل العشوائيات، والضوضاء، والتلوث، وهو ما دفع الدولة المصرية في السنوات الأخيرة إلى إطلاق مشروعات ضخمة لإعادة تنظيم البنية العمرانية، وفي مقدمتها إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة لتخفيف الضغط عن قلب القاهرة.
روح المدينة.. حيث لا يموت الزمان
ويسير الزمان على أقدام الناس، في القاهرة، وتجاور الأزمنة بعضها بعضًا، في شارع المعز لدين الله، يمكنك أن ترى ألف عام من التاريخ معماريًا واجتماعيًا، وفي حي السيدة زينب، تجد العبق الشعبي الذي لم يتغير منذ قرون، أما على كورنيش النيل، فتجلس المدينة على النهر كما تجلس عجوز حكيمة تحكي قصصًا لانهائية، فيها الحب والسياسة، والدين والفن، والنضال والانكسار.
ويصعب على أي زائر أو ساكن أن يختزل القاهرة في صورة واحدة. فهي المدينة التي:
-
تُوقظك بصوت المآذن وترانيم الكنائس.
-
تُربكك بزحامها وتأسرك بجمالها في آن.
-
تُبهرك بقصورها وتؤلمك بعشوائياتها.
-
تُعلمك كيف تعيش وسط الضجيج.. وتسمع صوت قلبك.
القاهرة في عيون الغرباء
وكتب عنها الرحالة والمستشرقون ما لم يكتب عن غيرها، قال عنها "إدوارد وليم لين" في القرن التاسع عشر إنها مدينة "تفوق الخيال في تنوع وجوه البشر والأسواق والعجائب"، أما الأديب العالمي نجيب محفوظ، ابن حي الجمالية، فقد جعلها بطلة رواياته، تجسد فيها الحارة والمقهى والزقاق والسياسي والمحب، والسلطة والمقهور في آن واحد.
وفي عصر السينما، كانت القاهرة صورة الوطن في أفلام يوسف شاهين وصوت الشارع في أغاني عبد الحليم، ودفء الحارة في دراما أسامة أنور عكاشة.
اليوم.. في ذكراك يا قاهرة
وتمر 1056 سنة على تأسيس القاهرة اليوم، في لحظة تاريخية تبدو فيها المدينة على مفترق طرق جديد، فبين ماضيها العريق وحاضرها الثقيل ومستقبلها الذي يُراد له أن يكون ذكيًا ومترابطًا ومخططًا، تقف القاهرة تنتظر من يعيد إليها مجدها كمركز للثقافة العربية والعالمية، لا فقط كمدينة مزدحمة أو عاصمة سياسية.
وربما كانت الذكرى مناسبة لاستعادة سؤال جوهري، كيف يمكن أن نحافظ على روح القاهرة وسط طوفان التحديث؟ كيف لا نترك المدينة العتيقة تذبل في ظل بريق الأبراج والزجاج؟ كيف نجعل من القاهرة مدينة للمستقبل دون أن نفقد رائحة التاريخ العالقة في حواريها؟
القاهرة لا تنام.. ولا تموت
وإذا كانت المدن تموت حين تفقد ذاكرتها، فإن القاهرة تعيش لأنها لا تزال تحفظ أرشيف وجداننا، في كل حارة قصة، وفي كل مئذنة دعاء، وفي كل كوب شاي على مقهى شعبي رواية لا تُروى.
فالقاهرة ليست مدينة فقط، إنما حالة وجدانية، كتاب مفتوح على كل صفحات الحضارة، مدينة تعرفك قبل أن تعرفها، وتحتضنك كما لو كنت ابنًا عاد من التيه.
وفي عيدها اليوم، لا نملك إلا أن نقف لها احترامًا، ونقول كما قال الشاعر:
قاهرةُ المجد يا مهدَ البطولةِ والكرم
فيكِ الزمانُ إذا تَكَلم.. احترمْ


